يرى سومديب سين، الباحث في الدراسات الآسيوية بأفريقيا في جامعة بريتوريا، أن إسرائيل توظف سلاح «ماء الظربان»، وهو سائل كريه الرائحة تستخدمه قوات الأمن لتفريق الحشود، في قمع الفلسطينيين وتحويل معاناتهم إلى وسيلة للترويج للصناعات الأمنية الإسرائيلية في الأسواق العالمية.
ووفقًا لمقال سين الذي نشرته شبكة الجزيرة، امتد استخدام هذا السلاح إلى قطاع غزة، حيث أفاد سكان بسريان رائحة عفنة في أنحاء مدينة غزة خلال إحدى الليالي في أواخر سبتمبر، عقب تقارير عن إسقاط طائرات إسرائيلية مئات العبوات التي تحتوي على مادة كريهة الرائحة فوق مناطق مأهولة بالسكان.
«ماء الظربان».. سلاح كريه الرائحة يستهدف الفلسطينيين منذ سنوات
في نظر السلطات الإسرائيلية، يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة في ظروف قاسية للغاية، بعدما حُشر الناجون في مساحات آخذة في التقلص وسط الأنقاض والنفايات والأمراض، مع نقص المأوى الملائم وخدمات الصرف الصحي. ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن استخدام المواد الكريهة الرائحة يضيف بُعدًا آخر إلى معاناة السكان.
وطورت شركة «أودورتك» الإسرائيلية هذا السلاح عام 2004 بالتعاون مع إدارة التطوير التكنولوجي في الشرطة الإسرائيلية، قبل أن تستخدمه القوات الإسرائيلية للمرة الأولى ضد متظاهرين فلسطينيين في بلدة نعلين عام 2008. ويُصنف السلاح ضمن وسائل مكافحة الحشود غير القاتلة القائمة على الروائح، ويمكن إطلاقه بواسطة خراطيم المياه أو إسقاطه من الطائرات المسيّرة.
ومنذ ذلك الحين، اتسع نطاق استخدامه في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، ليصبح عنصرًا متكررًا في تفريق المظاهرات ببلدات بلعين وكفر قدوم والنبي صالح، حيث احتج الفلسطينيون على المستوطنات ومصادرة الأراضي والقيود المفروضة على حرية التنقل.
وفي عام 2011، أطلقت القوات الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع ومادة «ماء الظربان» على مشيعين غير مسلحين شاركوا في جنازة فلسطيني قُتل برصاص الجيش الإسرائيلي في النبي صالح، قبل توجههم إلى نبع القرية الذي استولت عليه المستوطنة المجاورة «حلاميش»، بحسب ما أورده الكاتب استنادًا إلى تقارير سابقة.
وامتد الاستخدام إلى مدينة الخليل عام 2013، حين تعرض ناشطون وصحفيون كانوا يغطون احتجاجات تطالب بإعادة فتح شارع الشهداء لرذاذ السائل الكريه. وفي العام التالي، قادت الشرطة الإسرائيلية شاحنات مجهزة بهذه المادة عبر أحياء فلسطينية في القدس الشرقية، ورشت المنازل والشوارع والمدارس. وفي بلدة الطور، طال الرذاذ أربع مدارس، ما اضطر نحو 4500 تلميذ إلى البقاء في منازلهم بسبب الرائحة.
وبحلول عام 2018، استخدم الجيش الإسرائيلي الطائرات المسيّرة لرش المتظاهرين الفلسطينيين في قطاع غزة بالسائل الكريه، خلال مسيرات العودة الكبرى، عبر إسقاط أكياس بلاستيكية تحتوي عليه.
من تفريق المظاهرات إلى جعل الأحياء الفلسطينية غير صالحة للعيش
لا تقتصر وظيفة هذا السلاح، بحسب سين، على تفريق المتظاهرين وإجبارهم على مغادرة المكان؛ إذ يتجاوز تأثيره ذلك عندما يُرش على الشوارع والمنازل والأحياء السكنية، فيحول الأماكن التي يعيش فيها الفلسطينيون ويتجمعون فيها إلى بيئات يصعب احتمالها.
ويشير الكاتب إلى أن هذه الممارسة تفسر جانبًا من إصرار السلطات الإسرائيلية على استخدام السلاح، إلى جانب دافع آخر يتمثل في تسويق الوسائل الأمنية التي طورتها إسرائيل للسيطرة على الفلسطينيين وبيعها إلى دول أخرى.
وعندما ظهر السلاح للمرة الأولى عام 2008، أفادت تقارير بأن الشرطة الإسرائيلية تأمل في تحويله إلى مشروع تجاري وبيعه لأجهزة إنفاذ القانون في الخارج. ونقلت تقارير آنذاك عن المسؤول في الشرطة الإسرائيلية ديفيد بن هاروش إشادته بالسائل، إذ وصفه بأنه غير ضار تمامًا، وزعم أنه يمكن حتى شربه.
ويرى سين أن استخدام السلاح ضد الفلسطينيين يعزز الصورة التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها عالميًا باعتبارها صاحبة خبرة متقدمة في مكافحة التمرد والسيطرة على الحشود. فكل عملية نشر للسلاح تقدم، وفق تحليله، نموذجًا عمليًا لقدرات إسرائيل الأمنية، بينما تسهم الصورة النمطية التي تصور الفلسطينيين باعتبارهم مصدر تهديد في تبرير تطوير هذه التقنيات واستخدامها.
إسرائيل تسوّق سلاح «ماء الظربان» إلى أجهزة الشرطة حول العالم
لم يقتصر انتشار السلاح على الأراضي الفلسطينية، بل امتد إلى دول أخرى. ففي عام 2007، زودت شركة «بيت ألفا تكنولوجيز» شرطة جنوب أفريقيا بالسائل الكريه إلى جانب خراطيم المياه ومعدات مكافحة الشغب. واستخدمت الشرطة لاحقًا هذه المعدات ضد متظاهرين خلال احتجاجات «الرسوم الجامعية» عام 2015.
وفي عام 2017، اختبرت قوات الشرطة الاحتياطية المركزية الهندية السلاح لاستخدامه في السيطرة على الحشود، بما في ذلك مناطق مثل جامو وكشمير. كما أشار مركز «من يربح» البحثي إلى أن شركة سعت إلى الاستعانة به للتواصل مع شركة «أودورتك» بغرض شراء السائل وتسويقه للشرطة الكولومبية.
وفي الولايات المتحدة، تتولى شركة «ميسترال سيكيوريتي» توريد السلاح، وتروج له باعتباره وسيلة تدفع الأفراد والحشود إلى وقف أنشطتهم فورًا، بما يتيح لأجهزة إنفاذ القانون استعادة السيطرة مع تقليل الإصابات والخسائر البشرية، وفقًا لما تقوله الشركة.
وتبرز الصلة بين استخدام السلاح ضد الفلسطينيين وتسويقه التجاري بوضوح في المواد الترويجية للشركة، التي تعرض صورة للقوات الإسرائيلية وهي تستخدمه ضد فلسطينيين في الضفة الغربية. وبذلك، يتحول الفلسطينيون الذين يتعرضون للسلاح إلى جزء من الأدلة التي تستخدمها الشركات لإثبات فعاليته.
وعقب احتجاجات مدينة فيرجسون الأمريكية عام 2014، زودت شركة «ميسترال» عدة إدارات للشرطة الأمريكية بالسلاح، من بينها إدارة شرطة مدينة سانت لويس بولاية ميزوري، التي اشترت السائل عام 2015، بعد الاحتجاجات التي شهدتها فيرغسون.
وفي تقرير عن شحنة السلاح إلى ميزوري، أشارت مجلة «كوارترز» إلى أن تلويث مكان برائحة منفرة قد يقوض رغبة الناس في الإقامة فيه أو التجمع أو الاحتجاج أو حتى توثيق ما يجري داخله، إلى حين إزالة الرائحة. وطرح التقرير احتمال تحول هذه التقنية إلى وسيلة لترسيخ أنماط جديدة من الفصل العنصري.
ويخلص سين إلى أن إسرائيل لا تبيع مجرد سائل كريه الرائحة، بل تسوق أيضًا السمعة الأمنية التي بنتها عبر عقود من السيطرة على الفلسطينيين. ويصبح الفلسطينيون، وفق تحليله، محور هذه المنظومة الدعائية؛ إذ يُستخدم قمعهم لإظهار فاعلية التقنيات الأمنية الإسرائيلية، بينما تسهم شيطنتهم في تبرير الخبرة التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها عالميًا.
https://www.aljazeera.com/opinions/2026/10/8/why-israel-loves-skunk-water

